الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

195

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

عن هذه المرتبة العظيمة ، وأحسن ما يثبت لهم هذه المرتبة العظيمة ما تقدم من خطبة أمير المؤمنين الواردة في يوم الغدير ويوم الجمعة حيث تصادفا في يوم واحد في زمانه عليه السّلام وفيها : " وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله استخلصه في القدم على سائر الأمم على علم منه ، انفرد عن التشاكل والتماثل من أبناء الجنس وانتجبه آمرا وناهيا عنه ، أقامه في سائر عالمه في الأداء مقامه ، إذ كان لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، ولا تحويه خواطر الأفكار ، ولا تمثله غوامض الظنون في الأسرار ، لا إله إلا هو الملك الجبار . إلى أن قال عليه السّلام في حق آل محمد صلَّى اللَّه عليه وآله بعد ذلك : " وإن اللَّه تعالى اختص لنفسه من بعد نبيه صلَّى اللَّه عليه وآله من بريته خاصّة ، علاهم بتعليمه وسما بهم إلى رتبته ، وجعلهم الدعاة بالحق إليه ، والأدلاء بالإرشاد عليه لقرن قرن وزمن زمن ، أنشأهم في القدم قبل كل شيء مذروء ومبروء أنوارا أنطقها بتحميده ، وألهمها شكره وتمجيده ، وجعلها الحجج على كل معترف له بملكة الربوبية وسلطان العبودية ، واستنطق بها الخرسات بأنواع اللغات بخوعا له بأنه فاطر الأرضين والسماوات ، وأشهدهم خلق خلقه ، وولاهم ما شاء من أمره ، جعلهم تراجمة مشيّته وألسن إرادته عبيدا لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، وهم من خشيته مشفقون ، يحكمون بأحكامه ويستنّون بسنّته ، ويعتمدون حدوده ، ويؤدّون فرضه . . . " الخطبة . أقول : هذه الجمل من هذه الخطبة من أجلّ غرر كلماته عليه السّلام ومن الأدلة الدالة على مقامهم المحمود عند اللَّه وأول دليل على ما قلناه ، ففيه إشارة إلى الدليل العقلي والنقلي على ما ذكرناه . فقوله عليه السّلام : " أقامه في ساير عالمه في الأداء مقامه " يدل على تلك المرتبة العليا من الوساطة المذكورة . وقوله عليه السّلام : " لأنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " علة لتعاليه تعالى إياهم عليهم السّلام وأنوارهم عليهم السّلام لذلك الأمر ، وهو ما ذكرنا من أن الحادث المخلوق لا